الشيخ محمد علي طه الدرة
461
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 197 ] الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ ( 197 ) الشرح : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ وهي : شوال ، وذو العقدة ، والعشر الأول من ذي الحجة . وهو قول الشافعي رحمه اللّه تعالى . والقول بصحّة الإحرام بالحجّ في جميع السنة هو مذهب مالك ، وأبي حنيفة ، وأحمد رحمهم اللّه تعالى . واحتجّ لهم بقوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ فعند الشافعية إذا أحرم بغير أشهر الحج انعقد إحرامه عمرة . فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ : بنية الإحرام عند الشّافعي ، وعند أبي حنيفة بالتلبية ، وإنّما سمي شهران ، وبعض الشهر أشهرا ، إقامة للبعض مقام الكل ، أو إطلاقا للجمع على ما فوق الواحد ، أو هو من باب التغليب . فَلا رَفَثَ : المراد به هنا : الجماع ، انظر الآية رقم [ 187 ] فإنه جيد . أي : من أحرم بالحج ، أو بالعمرة ؛ فليجتنب الجماع ، وكذلك يحرم تعاطي دواعيه من المباشرة ، والتقبيل ، ونحو ذلك ، وكذلك التكلم به بحضرة النساء . قال ابن عمر - رضي اللّه عنهما - : الرفث : إتيان النساء ، والتكلم بذلك للرّجال ، والنساء ، إذا ذكروا ذلك بأفواههم ، ومنه قول المحرم لامرأته : فإذا أحللنا ؛ فعلنا بك كذا من غير كناية . وقاله ابن عباس أيضا ، وأنشد وهو محرم : [ الرجز ] وهنّ يمشين بنا هميسا * إن تصدق الطّير ننك لميسا فقال له صاحبه حصين بن قيس : أترفث وأنت محرم ؟ فقال : إن الرّفث ما قيل عند النّساء . هذا ؛ والرّفث : كلّ كلام ساقط لا قيمة له ، قاله أبو عبيدة ، وأنشد قول الشاعر : [ الرجز ] وربّ أسراب حجيج كظّم * عن اللّغا ورفث التّكلّم وَلا فُسُوقَ : ولا خروج عن حدود الشّريعة . وقيل : هو السباب ، والتنابز بالألقاب ، وقال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : الفسوق : جميع المعاصي المنهي عنها في حال إحرامه بالحج ، أو بالعمرة ، ومنه قتل الصيد ، وقصّ الظفر . وقد ثبت عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من حجّ هذا البيت ، فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه » . ورواية الصّحيحين : « رجع كيوم ولدته أمّه » . وَلا جِدالَ أي : ولا مماراة ، ولا مخاصمة . وهذه الأمور الثلاثة منهي عنها في جميع الحالات ، وفي جميع الأوقات ، والأمكنة . وفي حالة الإحرام آكد ، وهي في الحج أقبح ، صيغته نفي ، وحقيقته نهي ، أي : لا يرفث . . . إلخ ، وهو أبلغ من النّهي الصريح ، كما هو معروف في فن البلاغة . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم :